ابراهيم بن عمر البقاعي
128
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
لما يحملانه عليه من نتائج الشهوات ونوازع الغضب والبطالات ، عبر بما يدل على القحط والشؤم والضيق تنبيها على ذلك ، فقال شارحا للاستواء ومعبرا عنه : وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فاجتمع أشده وتم حزمه وجده ، وزالت عنه شرة الشباب وطيش الصبا ورعونة الجهل ، ولذلك كان هذا السن وقت بعثة الأنبياء ، وهو يشعر بأن أوقات الصبى أخف في المؤاخذة مما بعدها وكذا ما بين أول الأشد والأربعين قالَ إن كان محسنا قابلا لوصية ربه : رَبِّ أي أيها المحسن إليّ بالإيجاد وتيسير الأبوين وغيرهما وتسخيره أَوْزِعْنِي أي اجعلني أطيق أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أي وازعا للشكر أي كافا مرتبطا حتى لا يغلبني في وقت من الأوقات ، وذلك الشكر بالتوحيد في العبادة كما أنه يوحد بنعمة الإيجاد والترزيق ، ووحدها تعظيما للأمر بالإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يبلغ شكرها إلا بمعونة اللّه مع أن ذكر الأبوين يعرف أن المراد بها الجنس . ولما كان ربما ظن ظان أن المراد بنعمته قدرته على الإنعام ليكون المعنى : أن أشكر لك لكونك قادرا على الإنعام ، قال : الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ أي بالفعل لوجوب ذلك عليّ لخصوصه بي وَعَلى والِدَيَّ ولو بمطلق الإيجاد والعافية في البدن ، لأن النعمة عليهما نعمة عليّ ، وقد مضى في النمل ما يتعين استحضاره هنا . ولما كان المقصود الأعظم من النعمة الماضية نعمة الإيجاد المراد من شكرها التوحيد ، أتبعها تمام الشكر فقال : وَأَنْ أَعْمَلَ أي أنا في خاصة نفسي صالِحاً . ولما كان الصالح في نفسه قد لا يقع الموقع لعدم الإذن فيه قال : تَرْضاهُ والتنكير إشارة إلى العجز عن بلوغ الغاية فإنه لن يقّدر اللّه حق قدره أحد . ولما دعا لنفسه بعد أن أوصى برعاية حق أبيه ، لقنه سبحانه الدعاء لمن يتفرع منه ، حثا على رعاية حقوقهم لئلا يسلطهم على عقوقه فقال : وَأَصْلِحْ أي أوقع الإصلاح ، وقال : لِي فِي ذُرِّيَّتِي لأن صلاحهم يلحقه نفعه ، والمراد بقصر الفعل وجعلهم ظرفا له أن يكون ثابتا راسخا ساريا فيهم وهم محيطون به فيكونوا صالحين . ولما استحضر عند كمال العقل في الأربعين أن ما مضى من العمر كان أغلبه ضائعا فدعا ، وكان من شرط قبول الدعاء التوبة ، علله بقوله : إِنِّي تُبْتُ أي رجعت إِلَيْكَ أي عن كل ما يقدح في الإقبال عليك ، وأكده إعلاما بأن حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع فينكر إخباره به ، وكذا قوله : وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أي الذين أسلموا ظواهرهم وبواطنهم لك فانقادوا أتم انقياد وأحسنه . ولما وصف هذا المؤمن بادئا به لكونه في سياق الإحسان ، وكان المراد بالإنسان